قانون مكافحة الإرهاب أداة لإرهاب القضاء وقمع المعارضين في مصر

تدين منظمة هيومن رايتس مونيتور مشروع قانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي وافقت عليه الحكومة المصرية مطلع الشهر الجاري وينتظر رفعه إلى رئيس الجمهورية لإقراره، كونه يمثل انتهاكا صريحا للدستور المصري وأحكام المحكمة الدستورية العليا، ويبقي حالة طوارئ غير معلنة وبلا أجل معين ويطيح بالنظام القضائي الحالي من أجل وضع نظام قضائي استثنائي. وبناء عليه تتجه لمطالبة المقرر الخاص بمكافحة الإرهاب بالأمم المتحدة بتحمل مسؤلياته بتعزيز وحماية حقوق الإنسان وقت تطبيق سياسة مكافحة الإرهاب.

وتؤكد المنظمة بعد إطلاعها على كافة نصوص القانون على أنه يطيح بكل الحقوق والحريات في الداخل المصري – من بينها حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي وحق تكوين الجمعيات- ولكن في إطار قانوني.

مشروع القانون الجديد حوى في مواده الـ 52 بعض التعريفات الفضفاضة غير الواضحة بالمرة ولايمكن ضبطها قانونياً، وهي المتعلقة بتعريف الإرهاب والمنظمة الإرهابية وغيرها من التعريفات المتعلقة بهذا الصدد، ما ينذر بخطر انفلات السلطات لدى تنفيذ القانون، مما يهدد بوقوع المئات ضحايا حال تنفيذ القانون، ويتيح الفرصة كذلك للقائمين على تنفيذ القانون ومواده للهروب من المسائلة الجنائية عن أي جريمة ترتكب تحت مسمى تنفيذ القانون (م8).

وقد شمل القانون عقوبات تترواح بين اوالسجن المؤبد والإعدام على من تصنفهم السلطات بالإرهابيين من قبل الدولة المصرية، كما أتاح القانون للسلطة القضائية في مصر أن تصنف المؤسسات داخل وخارج بلادها بالإرهاب حتى وإن كانت تلك المنظمات أو المؤسسات تعمل تحت مظلة قانونية، وهو ما يثير القلق حيال تطبيق الدولة تلك الأحكام القاسية حتى على المؤسسات التي لها وضع قانوني.

كما أن الأحكام الجائرة وفق قانون مكافحة الإرهاب، هي أحكام تخالف الأعراف الدولية في ضمان العدالة، حيث من حق كل مواطن لدى الفصل في أي تهمة جزئية وجهت إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية ولاتقع تحت الإكراه كما أنه يرمي بحقوق الإنسان عرض الحائط في سبيل مواجهة الإرهاب.

إن صدور قانون مكافحة الإرهاب وغيره من الإعلانات الرائسية، يعرقل نظام إنشاء المحاكم في مصر، ويكره المؤسسات القضائية على التوسع في المحاكم الاستثنائية وعدم الالتزام بالنظام القضائي العادي، وهي بمثابة إخلال بالعلاقة بين سلطات وأجهزة الدولة ويمنح السلطة التنفيذية اختصاصات قضائية، ما يضعف فرصة المتهم في برائته أو اكتمال حقه في نظر قضيته كما أوضح العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وقعت عليه مصر سابقًا.
حيث انه يتيح انشا محاكم استثنائية مخالفة لاجراءات العمل والطعن على احكامها يختلف عن المحاكم العادية ويخل بضمانات الدفاع حيث تنص المادة 50 على امكانية محاكمة المتهم غيابيا معاملته على انه متهم حضوريا وذلك بحضور وكيل عنه وهو ما بخالف كليا نص المادة 338 من قانون الاجراءات الجنائية التي تمنع وجود شخص وكيل عن المتهم في حالة تغيبه وعدم ابداءه دفاعه، ما ينذر بصدور العديد من الاحكام النهائية اذا ما قررت الدولة انتداب محامين ليكونوا موكلين عن المتهمين مما يسلب المتهم حقه في المحاكمة المنصفة وحقه في الدفاع عن نفسه واختيار محاميه.

كما ان المادة 51 قررت تقليل مدة الطعن بالنقض من 60 (في قانون الاجراءات الجنائية) الى 40 يوما (في مشروع القانون) منهم 30 يوما يبدي فيهم القاضي اسباب حكمه وعشرة فقط للمتهم لدراسة اسباب الحكم وتقديم طعنه, بالإضافة إلى إلغائها درجة من درجات التقاضي في المادو 52 والتي جعلت النقض لمرة واحدة فقط مما يشكل خطورة كبيرة على التصديق على قرارات الإعدام وتنفيذها.

هذا بالإضافة إلى تهديد نصوص بعض المواد في القانون للعاملين بمجال الإعلام والصحافة وتتضع قيودًا على المهنة، فالمواد 26،27،29،33،37 تشكل خطرا كبيرا على حرية الصحافة في الداخل المصري، وفقًا للمادة 33 من مشروع القانون فإنه: “يعاقب بالحبس الذي لا تقل مدته عن سنتين، كل من تعمد نشر أخبار أو بيانات غير حقيقية عن أي عمليات إرهابية بما يخالف البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المعنية، وذلك دون إخلال بالعقوبات التأديبية المقررة في هذا الشأن”، ما يعني أن الدولة إذا كذبت أي رواية نقلتها الوسائل الإعلامية المختلفة يقعوا، وقتها ، أيضًا تحت طائلة المحاسبة حتى إن مارسوا عملهم بحيادية وذلك في مخالفة صريحة للمدة 71 من الدستور المصري الجديد الذي نص على انه: “يحظر بأى وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها فى زمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن فى أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون”.

فيما ورد في المادة 38 اعطاء صلاحيات استثنائية بالاعتقال لمأموري الضبط القضائي بالتحفظ على الاشخاص 24 ساعة وقد تصل الى 7 أيام بقرار من سلطة التحقيق بينما الأصل ان تكون المدة لاربعة أيام فقط. كما اجازت المادة مد فترة التحقيق من 24 ساعة )وفقا لقانون الاجراءات الجنائية) إلى 48 ساعة دون سند قانوني.

ومما ينفي صفة الشفافية والمحاكمة العادلة في مشروع القانون هو المادة 37 والتي تنص على العقوبة والغرامة التي لا تزيد عن عشرة آلاف جنيه لأي فرد أو جهة قامت بتسجيل أو تصوير وقائع جلسات المحاكمة بأية وسيلة كانت أو بثها عبر وسائل الإعلام المرئية أو المسموعة أو المقروءة أو على شبكات الاتصالات او التواصل الاجتماعي أو على أية وسيلة أخرى، وذلك كله ما لم تأذن المحكمة.”

فيما تحدثت بعض المواد في الباب الثاني من المشروع عن حق السلطات في فرض المراقبة على المحادثات والرسائل الخاصة وتسجيلها وتصوريها؛ في انتهاك سافر لحق الأفراد والمؤسسات المختلفة في حرية الرأي وحق المواطن في التمتع بالخصوصية، كما أوقع مشروع القانون عقوبة بالسجن 5 أعوام كحد أدنى على مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي الذين يروجون لأفكار يمكن أي يصنفها القانون المطاط على أنها إرهاب وقتما أراد.

القانون القمعي أعطى الصلاحية لرئيس الجمهورية في عزل وإخلاء بعض مناطق الدولة أو فرض حظر التجوال فيها، ما يهدد عشرات القرى والأهالي أن يلقوا نفس المصير الذي لقيه أهل مدينتي رفح والشيخ زويد بسيناء بعد تهجير آلالاف منهم دون وجه حق. وتؤكد المنظمات الموقعة أدناه على أن آثار هذا القانون سوف تتجاوز المعارضين السياسيين وسوف تشمل جميع المواطنين بمن فيهم الموظفين العموميين وكل فئات المجتمع، بما يشكل مقدمة لحالة من القلق والفوضى القانونية والأمنية.

كما انه وبموجب المادة 51 أعطى رئيس الجمهورية الحق في إعلان حالة الطوارئ لمدة لا تتجاوز الستة أشهر ويمكن تجديدها إلى أجل غير مسمى بعد موافقة البرلمان وفتحها لعقود طويلة كما حدث في فترة حكم الرئيس السابق مبارك حيث استمرت حالة الطوارئ لمدة 30 عاما ي مخالفة لنص المادة 154 من الدستور المصري التي تتيح باعلانها مدة 3 أشهر ثم مدها مرة واحدة فقط بموافقة البرلمان.

لذا تطالب منظمة هيومن رايتس مونيتور المجتمع الدولي للتدخل لإيقاف قمع الدولة المصرية الذي تمارسه بعد تقنينه بقوانين تخالف كافة بنود ومواثيق حقوق الإنسان التي وقعت عليها مصر سلفًا، حيث أن قانون مكافحة الإرهاب بالأخص يعطي للدولة أريحية كاملة في القضاء على معارضيها تحت زعم محاربة الإرهاب وتطبيق القوانين.

التعليقات