أحكام الإعدام التعسفية هي بمثابة القتل العمد إن نفذت على المجتمع الدولي التوقف عن الإدانات والتدخل عمليا لإنقاذ المعارضين لمجرد التظاهر يلبس المعارض تهم الإرهاب ويزج فيه في السجون وقد يحكم بالإعدام .
قررت محكمة جنايات الجيزة في جلستها المنعقدة مساء الثلاثاء 2 ديسمبر 2014 في معهد أمناء الشرطة بطرة برئاسة المستشار محمد ناجى شحاتة، وعضوية المستشارين ياسر ياسين، وعبد الرحمن صفوت، إحالة أوراق 185 معتقلاً بينهم سيدة هي سامية خليل محمد شنن – 55 عاما، إلى مفتي الديار المصرية لاستطلاع الرأي الشرعي في إعدامهم وذلك لاتهامهم في أحداث كرداسة التي صاحبت أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة في أغسطس من العام الماضي.
وكانت النيابة العامة قد أحالت هذه القضية إلى محكمة الجنايات في فبراير الماضي بعد توجيهها للمتهين تهم اقتحام وحرق مركز شرطة كرداسة وقتل 12 ضابطاً وشرطيا والتمثيل بجثثهم بالإضافة إلى قتل شخصين آخرين من الأهالى تصادف وجودهما بالمكان، والشروع فى قتل آخرين آخرين من قوة مركز شرطة، وإتلاف مبنى القسم وسرقة بعض الأسلحة منه، وحرق عدد من سيارات ومدرعات الشرطة، وحيازة الأسلحة النارية.
وكانت قنوات مصرية موالية للنظام المصري قد عرضت شريطا مسجلا حول ما ادعت أنه عملية اقتحام القسم بتاريخ 14/8/2013 ويظهر الشريط شخصين فقط حاملين لأسلحة نارية يركبون درجات نارية ، وخلا الشريط من أي عمليات تظهر الاشتباكات أمام قسم كرداسة، ويظهر الشريط جثث بعض أفراد الأمن عقب مقتلهم.
كما خلت أوراق الدعوى من أي دليل مادي يشير إلى تورط أي من المتهمين في تلك الدعوى في عملية قتل واقتحام مركز شرطة كرداسة أو ما يفيد تواجدهم في مكان الجريمة باستثناء التحريات الأمنية التي جاءت بناء على مصادر سرية بل ثبت بالأدلة عدم تواجد عدد من المحكومين في المكان وعدم قدرة بعضهم القيام بهذا الفعل بسبب اصابتهم بإعاقات.
وتجدر الإشارة إلى أن الدائرة مصدرة هذا الحكم هي الدائرة الخامسة بمحكمة جنايات الجيزة برئاسة المستشار محمد ناجى شحاتة وهي إحدى دوائر الإرهاب التي تم استحداثها في أعقاب الثالث من يوليو2013 للنظر في القضايا التي تصنفها الأجهزة الأمنية وجهات التحقيق الابتدائي على أنها قضايا إرهابية.
ومن المعروف عن تلك الدائرة برئاسة المستشار ناجي شحاتة إصدارها العديد من الأحكام المسيسة المخالفة للقانون التي تنتهك الحق في المحاكمة العادلة، فتلك الدائرة هي ذاتها التي أصدرت أحكاما بالإعدام على ستة أشخاص والمؤيد لثمانية آخرين في القضية المعروفة إعلاميا بـأحداث مسجد الاستقامة بتاريخ 30/8/2014، وهي ذات الدائرة التي حكمت على صحفيي الجزيرة التي عرفت إعلاميا بـ “قضية خلية الماريوت” والتي أصدر شحاتة فيها حكما على 17 صحفي بالسجن مدة من 7 إلى 10 سنوات،وينظر “شحاتة” قضية المتهمين بأحداث مجلس الوزراء البالغ عددهم 268 متهمًا ، والقضية المعروفة إعلاميا بغرفة عمليات رابعة المتهم فيها محمد صلاح سلطان والذي دخل في إضراب كلي عن الطعام احتجاجا على هزلية محاكمته.
ويضاف هذا الحكم إلى جملة من الأحكام المسيسة التي امتهناها القضاء المصري في أعقاب الثالث من يوليو 2013 ليؤكد انهيار منظومة العدالة المصرية، ليصل عدد المعتقلين الذين أحيلت أوراقهم إلى المفتي منذ الثالث من يوليو 2013 في قضايا معارضة السلطات إلى 1472 معتقلا تم تأييد الحكم بحق 287 منهم حتى الآن.
وشملت القضية المذكورة العديد من المخالفات الجسيمة وانتهاكات قواعد المحاكمات الجنائية من قبل تلك الدائرة فإن تشكيل دوائر محددة لنظر قضايا معينة يخل بمعايير الحياد والإنصاف القضائي ، كون اختيار دوائر قضائية بعينها تقبل النظر في قضايا الإرهاب وفق تصنيف السلطات الأمنية عقب تنحي العديد من الدوائر عن نظر هذه القضايا استشعارا للحرج يعد تسييساً لذلك القضاء ، فالقضاة المختارين لهذه المهمة بعناية هم من فئة لديها رأي مسبق حول هذه الأنواع من القضايا ، ويقبلون بالإجراءات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية والنيابة العامة أثناء مرحلة التحقيق الأولي وجمع الاستدلالات ، وهو ما يعصف بمعايير الحياد والاستقلال المطلوب توافرها بشكل أساسي في المحاكمة العادلة.
ويشوب حكم المحكمة في القضية المذكورة العديد من المخالفات الجسيمة، فلا تحوي أوراق الدعوى أية أدلة مادية تدين أي من المتهمين في القضية أو حتى تفيد تواجده بمكان الجريمة وقت ارتكابها إلا تحريات سرية للأجهزة الأمنية ، ولو سملنا جدلا بصحة ارتكاب المتهمين لتلك الجرائم ـ فإن الدعوى الجنائية تحوي شيوعا في الاتهام حيث اتُهم الجميع بواقعة القتل والتخريب والإتلاف دون أن يُقدم للمحكمة دليل مادي واحد يشير إلى تورط كل متهم منفردا بارتكاب جريمة ما وهو ما يعد وفق القانون المصري خطأ مهنيا جسيما، فالقانون يوجب نظر الوضع القانوني لكل متهم منفردا بصرف النظر عن وضع المتهمين الآخرين وتلتزم المحكمة بالبحث وفق أدلة يقينية عن المسؤولية الشخصية والمباشرة لكل متهم مفرد عن تهمة أو اتهامات محددة، ولا مفر من أن تحدد المحكمة دور كل منهم فرادا وإلا بطل حكمها.
فالحكم وفق أحد محامي هيئة الدفاع عن المتهمين صدر بإحالة أوراق جميع المتهمين إلى المفتي لارتكابهم جرائم القتل العمل والشروع في القتل والحرق العمد والإرهاب دون إيضاح رابطة سببية مباشرة بين كل متهم والجريمة المنسوبة إليه.
لينتهك الحكم مبدأ شخصيـة العقوبـة والذي يحتم ألا يعاقب شخص إلا عن جريمة ارتكبها أو ساهم في ارتكابها بشكل مباشر -ويجب أن يبين الحكم الصادر حقيقة الدور الذي أداه المتهم بحيث يشكل هذا الدور في عمومه أركان الجريمة التي تتم المحاكمة من أجلها، كي لا يكون الحكم مشوباً بإجمال أو إبهام مما يتعذر معه تحديد الدور الحقيقي للمتهم وهو ما يعانيه الحكم المذكور.
كما يستوجب القانون أن يعطى كل متهم الفرصة كاملة لإبداء دفوعه من خلال محام يمثله، وأن تفند المحكمة كافة أدلة الدعوى بشكل موضوعي، وأن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة وحيادية، وأن تبني المحكمة حكمها بالإدانة على الجزم واليقين لا على الشك والاحتمال، وهو ما لا يتوافر ولو جزئيا في تلك المحاكمات الجماعية.
وضمت قائمة الاتهام 4 أشخاص مسنين أحدهم جاوز السبعين من عمره وهو عبد الرحيم عبد الحليم عبد الله جبريل 74 سنة، وثلاثة أشخاص جاوزوا الستين من عمرهم هم علي حسن عامر أبوطالب 65 عاما، علي السيد علي القناوي 60 عام، كمال عبد المجيد محمود محمد الأجلي 60 سنة، كما شمل الحكم سيدة تعاني العديد من الأمراض هي سامية محمد شنن 55عام، وهو ما يوحي بهزلية المحاكمة وافتقار، ويعد دليلا على عدم إلمام القاضي بالدعوى المنظورة أمامه.
إن المنظمة العربي لحقوق الإنسان في بريطانيا تؤكد أن القضاء المصري يعاني من انهيار تكشف عنها سلسلة الأحكام الصادرة بحق المعارضين والتي تبين وجود انتهاكات فاضحة لمعايير المحاكمة الجنائية وافتقارا إلى النزاهة والحياد.
وترى المنظمة أن القضاء المصري أصبح مسيسا بشكل كامل وغير راغب في تحقيق العدالة وأن المهازل المستمرة في المحاكمات الجنائية المصرية ما هي إلا وسيلة مشوهة لإضفاء المشروعية على أوامر إدارية صادرة من السلطات الحالية لقمع المعارضين.
وتأتي تلك الأحكام في الوقت التي توزع فيه أحكام البراءة بالجملة على قادة ورموز النظام السابق على رأسهم الرئيس مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي ومعاونيه في قضايا تتعلق بمقتل مئات المصريين إبان ثورة يناير، وترسخ ظاهرة الإفلات من العقاب بعدم مساءلة فرد أمن واحد عن مقتل مئات المصريين في الميادين وتحت وطأة التعذيب والإهمال الطبي بمقرات الاحتجاز المصرية.
إن القضاء المصري يشرع بإصداره تلك الأحكام المسيسة في ارتكاب جريمة قتل خارج إطار القانون بسلب الناس حياتهم دون حق ،وتؤكد المنظمة أن انهيار دولة القانون في مصر يستوجب تحركا عمليا وجادا من المجتمع الدولي لوقف هذه المهزلة المستمرة بحق المعارضين المصريين بسبب رأيهم السياسي، واتخاذ كافة التدابير والإجراءات العاجلة لوقف تنفيذ هذه الأحكام الكارثية والعمل بشكل جاد على إطلاق سراح كل المحتجزين تعسفيا في السجون المصرية.
التعليقات