تعرب منظمة هيومن رايتس مونيتور عن تشككها من الموقف المصري بعدما رفضت السلطات المصرية 53 توصية في الملف الحقوقي الذي اعتمده مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة من نتائج الاستعراض الدوري الشامل في مصر، في 20 مارس\آذار الجاري، وكان من أبرزها رفض الحكومة المصرية وقف تنفيذ عقوبات الإعدام بحق المعارضين السياسيين للسلطة في مصر، وإيقاف المحاكمات العسكرية المقامة بحق المدنيين بمن فيهم الأطفال، وكذلك رفضها تشكيل لجان مستقلة للتحقيق في الجرائم الحقوقية التي ارتكبتها قوات الأمن خلال فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في العام 2013، وكذلك رفضها محاسبة المتورطين في تلك الجرائم.
حيث يقوم الاستعراض الدوري الشامل كل أربع سنوات بعرض سجلات حقوق الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، لمحاولة تحسين الأوضاع الحقوقية في الدول الأعضاء من بينها مصر، في ظل أوضاع حقوقية متأزمة تشهدها الدولة المصرية خاصةً بعد أحداث 30 يونيو\ حزيران من العام 2013.
وبالرغم من اعتماد الحكومة المصرية بشكلٍ كامل لـ 224 توصية من بين 300 توصية تلقتها مصر من مجلس حقوق الإنسان كانت قد وجهت لها من 121 دولة في الجلسة الأولى للاستعراض في نوفمبر\تشرين الثاني من العام 2014، وكذلك الموافقة الجزئية على 23 توصية آخرى، إلا أنها رفضت 53 توصية للمجلس، في الجلسة الثانية التي انعقدت قبل يومين، حيث تتسم معظم التوصيات المقبولة بشكل كامل بالغموض، فضلًا عن أنها لم تتحول إلى ممارسة فعلية على أرض الواقع حتى الآن، حيث شهدت الأوضاع في مصر خلال الأشهر القليلة الماضية انتهاكات صارخة، تتنافى وبشكلٍ كبيرٍ مع ما أبدته الحكومة المصرية من ترحيبٍ بشأن 224 من التوصيات المطروحة، ما يدعو للشك والريبة في جدية الدولة المصرية للالتزام بتلك التوصيات.
كانت مصر قد أكدت في التقرير الذي أصدرته أنها تحترم الحريات وتقوم بحمايتها، وأنها تحترم حق المواطن في نيل كرامته وحرية فكره واعتقاده، إلا أن الواقع لم يؤيد هذه الكلمات، حيث وقعت عدة انتهاكات صارخة بحق الطلاب في مصر، خلال الفصل الدراسي الأول الواقع في الفترة بين الجلسة الأولى والثانية للاستعراض، حيث وثقت نحو 653 حالة اعتقال للطلاب، بينهم أكثر من 60 طالبة، لتقوم السلطات المصرية بتقييد حريات الشباب والطلاب، ومخالفة ما أصدرته للأمم المتحدة، وكذلك سجلت 85 اقتحام لقوات الأمن المصرية للحرم الجامعي للطلاب، 39 مرة من بين تلك الاقتحامات كانت لحرم الطالبات الجامعي، رغم تأكيدات مصر بتجريم كافة أشكال العنف ضد المرأة، فيما كانت تلك التأكيدات حبر على ورق، لم تنفذ منها شيء على أرض الواقع، حيث لا زال نحو 56 امرأة وفتاة محتجزة تعسفيًا في السجون المصرية على خلفية قضايا رأي سياسية، فيما سجلت حالات تحرش واعتداء جنسي من قبل ضباط شرطة بحق فتيات بسبب انتمائهن السياسي، كما سجلت عدة حالات قتل خارج إطار القانون لنساء، كانت أبرزها واقعة مقتل الناشطة السياسية شيماء الصباغ في تظاهرات 25 يناير\كانون الثاني من العام الجاري.
فيما تم فصل 322 طالبًا فصلًا تعسفيًا على خلفية انتمائه السياسي، حيث فصل 199 طالب، و123 طالبة رغم أن الدستور المصري نص على عمل الدولة لتوفير كل السبل والوسائل لتيسير العملية التعليمية، وسجلت نحو 39 حالة تعذيب للطلاب، بالرغم من تأكيد مصر في بيانها أن الدستور المصري اعتبر التعذيب بكل صورة جريمة لا تسقط عقوبتها بالتقادم، هذا بخلاف مئات الحالات التي وقعت في تلك الفترة لمواطنين معتقلين على ذمة قضايا سياسية، فيما لم تقم بتقديم مرتكبي التعذيب والاعتداء على المواطنين للعدالة والتحقيق كما أوضحت للأمم المتحدة، بل قامت بالتستر على تلك الجرائم، التي راح ضحيتها عشرات المواطنين قتلى بسبب التعذيب.
ولا يزال نحو 40 ألف معتقل سياسي في السجون المصرية، اعتقل نحو 20 ألف منهم بين الجلستين الأولى والثانية للاستعراض الدوري الشامل، حيث لم تلتزم مصر بما أكدته بشأن حرية التعبير والتظاهر التي تكفلها، بين هؤلاء المعتقلين عشرات السيدات، ومئات الأطفال، وكذلك مئات الصحفيين والإعلاميين، والذين يتم احتاجزهم تعسفيًا على ذمة قضايا سياسية تتعلق بانتمائهم السياسي.
وأكدت كذلك مصر أنها تلتزم بضمانات المحاكمة العادلة والمنصفة، رغم إحالتها مئات المدنين للمحاكمات العسكرية والتي لا تتوافر فيها أية ضمانات للمحاكمة العادلة، وكذلك إصدار أحكام جماعية بالإعدام بحق المعارضين لسياسة الدولة، وتنفيذ أحد أحكام الإعدام بداية الشهر الجاري، رغم ثبوت أدلة براءة الشاب الذي تم إعدامه، فضلًا عن مئات الأحكام بالسجن لفترات مختلفة صدرت بحق المواطنين من بينها أحكام بالسجن لفتيات وأحداث ومرضى، حيث شارك القضاء بتلك الأحكام في التستر على جرائم السلطة في مصر، والتي تؤكد بكل ممارساتها التعسفية بحق المدنين أن ما أصدرته وما صدقت عليه من توصيات كان مجرد كلمات على ورق لم تنفذ منها شيء على أرض الواقع.
هذا وتؤكد منظمة هيومن رايتس مونيتور من خلال متابعاتها للوضع الحقوقي المتردي في مصر، أن التوصيات التي أعلنت مصر قبولها لم ينفذ منها شيءٌ على أرض الواقع، بل زاد سوء الأوضاع الحقوقية بشكلٍ ممنهج، مع صم الدولة المصرية آذانها عن جميع مطالبات المنظمات الحقوقية التي تنادي السلطات المصرية بالالتزام بالحد الأدنى منها، وهو ما لم يتم بأي حالٍ من الأحوال.
وبشأن استمرار كل تلك الانتهاكات بحق المواطنين بالرغم مما أكدته مصر بشأن تنفيذ تلك التوصيات، تأسف المنظمة لاستمرار غياب احترام حقوق الإنسان في مصر، مطالبةً مصر باحترام التزاماتها أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وضمان حق المواطن المصري في الحياة الكريمة، وحقه في التعبير عن رأيه، والأمان على شخصه في ظل الدولة المصرية.
كما تطالب المنظمة المجتمع الدولي بالوقوف موقفًا صارمًا أمام هذا التجاهل المصري بشأن المطالبات بتحسين الأوضاع الحقوقية في الدولة، وإيقاف منهج إهدارها بكافة السبل، مع الأخذ بالاعتبار أن الصمت الدولي إن طال على هذه الانتهاكات الصارخة، فإن الجميع سوف يفاجيء ببيئةٍ خصبةٍ لانتشار الإرهاب والتطرف، وهو الأمر الذي يجب أن ينأى عنه المجتمع الدولي، حفظًا على السلم والأمن العالمي.
التعليقات