القتل بالإهمال الطبي عقيدة سجون مصر

“السجناء الذين يتطلبون عناية متخصصة ينقلون إلى سجون متخصصة أو مستشفيات مدنية، ومن الوجب، حين تتوفر في السجن خدمات العلاج التي تقدمها المستشفيات، أن تكون معداتها وأدواتها والمنتجات الصيدلانية التي تزود بها وافية وافقة بغرض توفير الرعاية الطبية اللازمة للسجناء المرضى، وأن تضم جهازاً من الموظفين ذوي التأهيل المهني المناسب” – القاعدة (٢٢) من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، الفقرة الثانية – تلك هي القواعد التي تم إقرارها من الأمم المتحدة، وتحكم الأوضاع الإنسانية في سجون العالم، فيما عدا مصر، التي تسير سجونها وفقا لرؤى سلطتها التنفيذية، فمن المعتقل من على فراش المرض إلى القتل بمنع الدواء ورفض النقل للمستشفى، تسير منظمومة السجون وأماكن الاحتجاز.

فقد وثقت “هيومن رايتس مونيتور” حالة اعتقال المواطن “محمد غريب محمد مراد- ٥٩ عامًا”، مدير عام بمديرية التموين بسمالوط، سمالوط – محافظة المنيا، يوم ٧ ديسمبر/ كانون أول ٢٠١٥، أثناء رقوده بمستشفى الهرم بالجيزة بعد إجراءه عدة جراحات دقيقة بالعمود الفقري، فتم تركيب شرائح ومساميرله، وأجريت له جراحة تثبيت فقرات، حيث أنه مُصابًا بالغضروف، وأكد طبيبه المُعالج أنه وبعد خروجه ونجاح تلك الجراحات سيبقى مشلولًا، كما أنه يعاني من “صديد” بجميع أنحاء جسده، ويتبول عن طريق “قسطرة” مثبتة معه، كذلك يوجد بجسمه نوعين من الباكتيريا التي يستصعب علاجها، ويعاني من نقص في المناعة، ويتعاطى “المضاد الحيوي” لكي يقوى على العيش بسلامة.

ومع ذلك لم تحل كل الأمراض التي يعاني منه “غريب” دون اعتقاله تعسفياً، فقوات الشرطة التي قامت على اعتقاله لم تأبه بحالته الصحية، وأعتقلته على كرسيه المتحرك، دون أن تمتلك تصاريح أو قرارات بإعتقاله أو ضبطه، وكل ما أبلغته قوات الشرطة التي قامت باعتقال المواطن لأهله، أنهم سيوجهون له بعض الأسئلة ويطلقون سراحه بعد ذلك، وبالفعل تم التحقيق معه بقسم شرطة سمالوط، دون فتح محضر رسمي، ودون حضور محامين معه، واحتجزته قوات الشرطة بمستشفى أم المصريين باتهامات غير معروفة.

وهو ما يدفع “مونيتور” إلى أن تعرب عن قلقها على حياة المواطن، من أن يلحق بالمئات الذين توفوا بالإهمال الطبي في السجون، والتي تزايدت بوتيرة متصاعدة مثيرة للذعر، فلم تمضي سوى أيام على وفاة معتقلين في السجون هما “محمد عوف والي سلطان – ٤٢ عاما”، في سجن المنصورة، و “معتز رمضان عويس ٦٠ عاما”، في قسم شرطة (أبو النمرس)، بسبب الإهمال الطبي، حتى توفيت حالتين أخريين في يومين متتاليين لنفس السبب.

حيث توفي “أحمد عبد الحميد محمد محمد أبو النجا- ٦٠ عام”، العميد بالقوات المسلحة، يوم الجمعة ١١ ديسمبر/كانون أول ٢٠١٥، نتيجة الإهمال الطبي بسجن وادي النطرون، حيث أنه كان مصاب بمرض الإلتهاب الكبدي الوبائي -C، كما أنه يعانى من مرض السكري، وفى نوفمبر،تشرين ثانِ 2015 أصيب بفشل كبدي، بعد أن منعت إدارة السجن دخول العلاج له، ورفضت أيضاً عرضه على الطبيب أو نقله لمعهد الكبد لتلقى العلاج، مما جعل الأسرة تتقدم بعدة طلبات للنائب العام للسماح بعرضه على طبيب، فتم عرضه على طبيب السجن الذي أكد على ضرورة نقله لمعهد الكبد، ليبقى تحت الرعايا الصحية اللازمة له، إلا أن إدارة السجن تعنتت فى نقله للمعهد مع استمرار رفض دخول أي علاج له، فتدهورت حالته جداً مما أجبرهم على نقله للمعهد في النهاية، وتوفي أثناء إعادته من المعهد إلى السجن حتى تم إعلان وفاته.

جدير بالذكر أن العميد “أبو النجا” معتقل منذ يوليو/حزيران ٢٠١٣، أثناء تواجده بمدينة طنطا في زيارة لشقيقه، حيث وجهت إليه نيابة طنطا اتهامات بالتظاهر دون ترخيص والانتماء لجماعة محظورة وقلب نظام الحكم، وتم الحكم عليه بالسجن ٤ سنوات في يوليو/تموز ٢٠١٤، ونقل إلى سجن وادي النطرون بناء على ذلك، الذي ظل يعاني فيه مع المرض والإهمال الطبي حتى وافته المنية فيه، بغض النظر عن تاريخه العسكري المشرف كأحد مقاتلي حرب أكتوبر ١٩٧٣ ومصابيها، فقد وقف في إحدى جلسات وقال للقاضي “لقد شاركت في حرب ١٩٧٣ وأصبت وأجريت عملية نزعت فيها بعض ضلوعي .. فهل جزائي أن يلفق لي اتهام، ويتم اعتقالي من الشارع وتقوم مجموعة من البلطجية بالإعتداء عليّ.. وأسجن ؟!”.

وعلى نفس المنوال توفي المواطن “هنداوي الجالي – ٥٥ عام”، داخل مركز شرطة أبو المطامير – محافظة البحيرة، نتيجة الإهمال الطبي. يوم السبت ١٢ ديسمبر/كانون أول ٢٠١٥، حيث أنه مصاب بجلطة، وقام الضابط “محمد ترابيس” بالاعتداء على المواطن رغم تدهور حالته الصحية على خلفية مرضه، واقتاده إلي قسم الشرطة، إثر مشادة كلامية بين “نجله” وبين بعض أمناء الشرطة أثناء إلقاءهم القبض عليه.

وعلى خلفية ذلك قام “علاء” نجل المتوفي باتهام الضابط “محمد ترابيس” بقتل والده، فلجأت إدارة القسم بقيادة رئيس المباحث “ماجد الحبشي” إلى تعذيبه بصعقه بالكهرباء، لإجباره على التراجع عن أقواله أمام النيابة.

وهكذا مضت سلطات السجون في مصر في قتل المعتقلين لديها عمداً بالإهمال الطبي، سياسيون ومفكرون وعلماء ومقاتلون، جميعهم يلقون مصرعهم داخل السجون المصرية والسبب واحد، منع الدواء والتعنت في نقل المرضى للمستشفيات، فوصل عدد المقتولين بالإهمال الطبي منذ ٣ يوليو/حزيران ٣٠١٣ إلى ٢٦٦ معتقل، من بينهم (٣٨) معتقل في شهر يوليو/حزيران الماضي وحده بسجن استقبال طرة، ووصل عدد من قتلوا نتيجة الإهمال الطبي والتعذيب معاَ لما يزيد عن ٣٥٠ حالة قتل داخل السجون.

وهو ما يشير أن الحق في الحياة، الذي يأتي أول حقوق الإنسان طبقا لنص المادة (٣) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي جاء فيها “لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه” ، أضحى أهون الحقوق في مصر في ظل استهانة سلطتها به بشكل صريح، وتعديها الفج على هذا الحق.

وبناء على ما تقدم تطالب ” هيومن رايتس مونيتور”، بفتح تحقيق دولي في انتهاكات السلطات المصرية ضد المرضى في سجونها، مما يؤدي إلى قتلهم بشكل جماعي، مما يؤكد استغلالها للمرض في قتل معارضيها، بل وتعذيبها لهم بشكل ممنهج يفضي إلى الموت، وتناشد المجتمع الدولي في إرسال بعثات تقصي حقائق للتحقيق في تلك الانتهاكات ومراقبة السجون المصرية، للوقوف على حقيقة الوضع الإنساني للمرضى في سجون مصر، والعمل على سرعة إنقاذ من تبقى منهم.

التعليقات