إنسان | أوقفوا أحكام الإعدام الجائرة بحق المواطن “عامر مسعد”

من العبث الحقوقيّ اليوم أن نهمل وتيرة الأرقام المتزايدة والمُخيفة التى تُسجلها الأحداث المُفجعة كل يوم في ملف الأحكام القضائية على مدار ثلاثة أعوام ، فدوائر الرصد والتوثيق لا تتوقف وكل يوم يحمل الجديد والمؤلم بحق سجناء الرأى في مصر والقوس أصبح عتيًا على الغلق ، وفي إحياء اليوم العالمي لمناهضة الإعدام وفي خضم الأمواج العاتية التى تعصف بحقوق الانسان؛ تقف الأرقام والإحصائيات موقف البرهان القاطع والشاهد الصامت الذي يُعاني من صعقات العنف اللامعقول.

تزيدُ وتيرته و لا تنتهي فالأرقام خير شاهد فقد بلغ إجمالى الأحكام ١٨٤٠ قرار إحالة للمفتي فى ٤٤ قضية مختلفة صدر منهم ٧٩١ حكمًا بالإعدام.

من هذه الأحكام الجائرة، حالة رصدتها منظمة “إنسان للحقوق والحريات” للشاب “عامر مسعد عبده عبد الحميد“، خريج كلية التجارة جامعة المنصورة من مواليد 17 مارس 1984، المحال فى أربع قضايا للمفتى وثبت عليه حكم الإعدام فى إثنين منهم، وينتظر جلسة النقض في إحداهما في السابع من نوفمبر القادم.

تبدأ قصة “عامر مسعد” الساعة الثانية من ظهر يوم الخميس فى الثامن من ديسمبر لعام ألفين وثلاثة عشر، عقب توقيفه من قبل أفراد أمن بزى مدنى، بشارع الجمهورية بمدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية شمال مصر، وتعريضه للإخفاء القسري لأكثر من أسبوعين، عانى خلالهما من شتى أنواع التعذيب بالضرب والصعق بالكهرباء والأذى النفسي على أيدي ضباط الشرطة والأمن الوطنى، كما تم تهديده باعتقال زوجته وشقيقته، حتى أجبروه على تسجيل فيديو تحت وطأة التعذيب وهو بحاله يرثى لها يعترف بعدد من الجرائم التى سرعان ما أحيل عليها للمفتي، وهو ما نفاه عامر أمام المحكمة.

وأورد في فيديو نشرته مواقع إلكترونية له من داخل المحكمة أثناء نظر جلسات المرافعه بمجمع محاكم المنصورة قائلًا : ” تم اختطافي من قبل قوات الأمن أثناء مروري فى الشارع من قبل أمناء شرطة وضباط مباحث المنصورة وتم نقلي إلى مقر “أمن الدولة” حيث التعذيب الشديد، ولم يتمكن أهلى من الوصول إلي فى هذا التوقيت، ثم أجبرونى على تسجيل فيديو أعترف فيه بالعديد من القضايا لم أرتكبها، ثم أودعت فى سجن المنصورة العمومي فى منطقة تسمى “الربع” زنزانة انفرادية .

كل هذه الانتهاكات التى ذكرناها إجمالًا تُعد هتكًا واضحًا لحقوق الإنسان وتُجرمها المُعاهدات الدولية والدساتير، ففي الدستور المصريّ لعام 2014م في باب الحقوق والحريات تنص الماده (54) منه على:

* أن الحرية الشخصية حق طبيعي، وهى مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس.
* لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق.
* ويجب أن يُبلغ فورًا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكٌن من الاتصال بذويه و بمحاميه فورًا، وأن يُقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته.
* ولا يبدأ التحقيق معه إلا في حضور محاميه، فإن لم يكن له محام، نُدب له محام، مع توفير المساعدة اللازمة لذوى الإعاقة، وفقًا للإجراءات المقررة في القانون.
* ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، والفصل فيه خلال أسبوع من ذلك الإجراء، وإلا وجب الإفراج عنه فورًا.
* وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه.

وتقول المادة (55) منه أيضاَ: كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه، أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحيًا، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، ومخالفة شيء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقًا للقانون.

لينتهي به الحال بالإحالة للمفتي فى أربع جنايات متسارعة الجلسات، تم تثبيت ضده حكم الإعدام شنقًا في قضيتين، والحبس المؤبد فى قضيتين أخرتين، وهم:
– حكم بالإعدام فى القضية (24977 لسنة 2013) جنايات أول ، 2433 لسنة 2013 كلي جنوب.
– حكم بالإعدام فى القضية رقم (14950 لسنة 2013), ( 190 لسنه 2014 ) كلى جنوب.
– حكم بــالمؤبد فى القضية رقم (25691 لسنه 2013 ) جنايات اول ، (1384 لسنة 2013 )كلى جنوب .
– حكم بــالمؤبد فى القضية رقم (9852 لسنة 2013) جنايات ثان ، ( 1746 لسنة 2013 ) كلى جنوب.

لينقل على إثر تلك الأحكام إلى سجن “أبوزعبل” بعنبر الإنفرادي، فيما أعلن دفاع المتهم بطلان الاتهامات ضده وجاءت دفوعهم فى القضية رقم (24977 لسنة 2013) جنايات أول، 2433 لسنة 2013 كلي جنوب كالتالى:
الجثة التي عاينها الطبيب الشرعي بمصلحة الطب الشرعي وأعد تقريرًا بمعاينتها، هي جثة أخرى غير جثة المجني عليه “محمد ربيع”، وذلك واضح من التقارير الطبية المرفقة بالقضية، فتقرير مستشفى المنصورة الدولي وتقرير وزارة الصحة والسكان قسم المراكز الطبية المتخصصة، وتقرير معاينة النيابة العامة لجثة المجني عليه، اثبتت جميعها أن المجني عليه قتل بأداة حادة أو عدة أدوات، وبطريقة الذبح وأن الجثة بها جروح قطعية بالرقبة والساعد وبها مدخل طلق ناري بالظهر ولا يوجد له مخرج.

أما تقرير مصلحة الطب الشرعي والذي أعده الطبيب/ سامح صلاح الدين، بعد معاينة جثة المجني عليه أثبت وجود خمسة جروح نارية حيوية حديثة، لبعضها فتحات دخول وخروج وهو مخالف لما ذُكر بالتقارير المقدمة من المستشفى ومعاينة النيابة.

الدليل الوحيد الذي استندت إليه النيابة العامة في توجيه الاتهامات في كل الدعاوي ضد “عامر مسعد” هو اعترافاته أمام النيابة، رغم بطلان هذه التحقيقات لعدم حضور محامي مع المتهم، ولأن هذا الاعتراف كان وليد إكراه معنوي ومادي وتحت التهديد والتعذيب، والدليل على ذلك أن “عامر” قد عدل عن هذا الاعتراف بعد ذلك أمام المحكمة.

عدم مطابقة الفوارغ المضبوطة مع السلاح المنسوب ضبطه مع المتهم والذي ارتكبت به الجريمة وذلك بناءً على تقرير مصلحة الأدلة الجنائية والذي قرر أن إطلاق الاظرف (الرصاص) جاء من سلاح آخر غير السلاح موضوع الفحص.

وأشار دفاع المتهم فى الجناية رقم (14950 لسنة 2013), (190 لسنه 2014) كلى جنوب إلى:
– بطلان اعترافات المتهم بالتحقيقات كونها وليدة إكراه مادى ومعنوى.
– بطلان تحقيقات النيابة العامة لمخالفتها نص المادة 206 مكرراً ،أ.ج .
– كيدية الاتهام وكيدية التحريات لإجرائها بعد القبض على المتهم.
– الشك فى إسناد الاتهامات للمتهمين لعدم وجود دليل ثبوتى بالأوراق.
– عدم كفاية الأدلة الموجودة فى أمر الإحالة لإقامة الدليل على ارتكاب المتهم للتهم المنسوبة إليه.
– عدم انطباق مواد الاتهام الواردة فى أمر الإحالة على التهم المنسوبة للمتهم.
– بجانب عدم مقدرة النيابة العامة على تقديم دليل يقينى واحد للمحكمة على صحة إسناد التهم للمتهم .

وبخصوص الجناية رقم (25691 لسنه 2013 ) جنايات أول، (1384 لسنة 2013) كلي جنوب:
لوحظ أن المحكمة استندت في حكمها على شهادة الرائد “هيثم العشماوي” رئيس مباحث قسم أول المنصورة، رغم أن هذا الشاهد لم يذكر في أقواله وشهادته أمام النيابة والمحكمة اسم “عامر” أو صفته نهائيًا، ولم يذكر ما إذا كان له دور في ارتكاب الجريمة من عدمه، كما لم ينسب إليه ارتكاب ثمة جريمة، بل إنه ذكر في أقواله أمام النيابة عندما سُئل [ومن محدث أصابه المجني عليه؟] أجاب [لم تتوصل التحريات لمحدث الإصابة].

وذكر تقرير قسم الأدلة الجنائية أن الطلقات العشرين موضوع الفحص سليمة وكاملة الأجزاء وغير مطروقة الكبسولات، ولم يتم استخدامها، وهي من ذات السلاح المضبوط بالحرز الأول، كما أثبت التقرير وجود أربع طلقات صوت صالحة للاستعمال ولا يمكن استخدامها على ذات السلاح الوارد بذات الحرز لاختلافهما في العيار، وعدم وجود فوارغ طلقات للسلاح المضبوط في مكان الواقعة المزعوم ارتكابها.

فيما نوه محامي المتهم أن اعتراف المتهم أمام النيابه كان وليد إكراه مادي ومعنوي، وتم التحقيق معه في غيبة محامية، وقد عدل المتهم عن هذا الاعتراف أمام المحكمة، وأن الشاهدان بالقضية الرابعة رقم 9852 لسنة 2013 جنايات ثانِ والمحالة برقم (1746 لسنة 2013) كلي جنوب، لم يذكرا اسم المتهم نهائيًا، لا بذات ولا بصفة، وذكرا في تحقيقات النيابة أن مجموعة تستقل سيارة خرج منها فرد وأطلق النار علينا.

المسجون الذي اختفى قسرياً لفترة طويلة عقب اعتقاله عانى أوضاعًا صعبة خلال فترة اعتقاله التي تقترب من ثلاث أعوام، ولم يشفع بطلان التحقيقات لتلك الانتهاكات، من بينها التعنت في الزيارة، وكذلك منع دخول مستلزماته الخاصة، والتضييق المستمر عليه داخل أماكن احتجازه حيث احتجازه فى عنبر الإنفرادي لعام ونصف فترة التحقيق وحتى الآن.

وتؤكد منظمة “إنسان للحقوق والحريات” إلى أن تلك الانتهاكات والأحكام الجائرة تخالف المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء التي اعتمدت ونشرت علي الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 45/111 المؤرخ في 14 كانون الأول/ديسمبر 1990
– لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقاً للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة.
– حين يكون الحرمان من الحياة جريمة من جرائم الإبادة الجماعية، يكون من المفهوم بداهة أنه ليس في هذه المادة أي نص يجيز لأية دولة طرف في هذا العهد أن تعفي نفسها على أية صورة من أي التزام يكون مترتباً عليها بمقتضى أحكام اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه

وكذلك ما ورد في العهد الدولي بالمادة 6:
– الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفًا.

وتطالب المنظمة السلطات المصرية باحترام الحق في الحياة الذي كرسته المواثيق الدولية في وثائق أممية، منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية و البرتوكول الاختياري الثاني الملحق به، فالمادة 6 (1) من “العهد الدولي”، نصت على أنه يستوجب من القانون أن يفرض رقابة صارمة على الحالات التي يجوز فيها للدولة أن تحرم شخصًا من حياته، وأن يضع لها ضوابط محكمة تضمن عدم توقيع عقوبة الإعدام إلا بعد أن تثبت إدانة المتهم بناءً على أدلة واضحة ومقنعة لا تترك مجالاً لأي تفسير مخالف.

ما يثير بواعث القلق لدى المنظمة في صدور تلك الأحكام هو أنه تم بالفعل تنفيذ حكم بحق مواطن مصري ثبتت برائته من التهم المنسوبة إليه يدعى “محمود رمضان” في 15 من مارس\آزار بعدما طالب الجميع بإيقافه وإعادة التحقيق في القضية، وآخرهم المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان التي طلبت من الدولة المصرية إيقاف هذه الأحكام بأقصى سرعة، وتلاها تنفيذ حكم بحق 6 آخرين بتاريخ 17 مايو\آيار في القضية المعروفة باسم عرب شركس، رغم ثبوت تلفيق تلك التهم إليهم، واستمرار إصدار أحكام أخرى بالإعدام بحق مواطنين أبرياء أمام محاكم غير نزيهة.

فخلال العامين الماضيين تجاوزت أحكام الإعدام 1800 حكمًا، كلها بحق معارضين للسلطة في مصر، وذلك في أحكام إعدام جماعية في محاكمات سريعة افتقدت لأدنى معايير الشفافية والنزاهة وانتزعت حقوق المتهمين في هذه القضايا من حق الدفاع عن النفس بإصدار أحكام سريعة بعد مرافعات صورية من الدفاع والنيابة لا تنم عن تحقيق واقعي حدث وذلك كله يشي بصبغة تسييس الأحكام من قبل الجهات القضائية في مصر التي وجهت تهمًا بالقتل بالجملة لعدد من المعارضين ثبتت بالدليل أنهم لم يكونوا محل الوقائع المذكورة في أوراق القضايا وغيرها من الحالات التي ضمت أطفال ونساء صادر بحقهم جملة إعدامات جماعية.

هذا وتؤكد المنظمة “إنسان للحقوق والحريات” على تجاهل القضاء المصري لحق الحياة المحمي لكل إنسان بموجب القانون الدولي، وتدعوه بمعالجة تلك الأحكام ونظر القضايا من جديد في معايير تتمتع بالنزاهة والشفافية بعيدًا عن الأهواء السياسية والصراعات داخل الدولة، وتطالب كذلك باتخاذ كافة التدابير اللازمة لعدم تكرار تلك الانتهاكات بحق المواطنين في المستقبل.

التعليقات